المقدمة
شكلت انتفاضة 15 نيسان نقطة تواصل في القضية الأهوازية بين عصر الجمهورية الإسلامية و القطيعة التي حدثت في عرض القضية من بعد الحرب العراقية- الإيرانية. كما إن الإنتفاضة لعبت دوراً مهماً في التعرف على الناشطين الأهوازيين في المنفى التي استخدموا إمكانياتهم الذاتية للتواصل مع الشعب في الوطن و في الخارج، مثل مواقع الإنترنت و التلفزيون أو الصحف الإلكترونية. ولكن بعد التعرف على وجود خلافات بين الحركات الأهوازية في المنفى و عدم وجود وحدة بينها، ظهرت أصواتاً تطالب الحركات الأهوازية المختلفة بالكف عن المجهود الفردي و السعي نحو عملٍ مشترك تقضي على الأنانية التي تحيط بالأهوازيين.
و لكن هذ المطلب القديم الجديد تصطدم بمشكلة موجودة في بنية القانونية للقضية و ليست في الحركات فقط. فالعمل السياسي المشترك يتطلب وجود مقدار كبير من المشتركات في البنية الرئيسية التي تتحرك فيها القضية و هذا ما تفتقده القضية الأهوازية . لهذا السبب فإنها لم تتحول إلى قضية تجمع فيها مؤسسات و حركات لكي تمثل الأهواز و تصدر قرارات تعني قراراتٍ للأهواز نفسها كما يحدث مع منظمة التحرير الفلسطينية.
فما هي الأسباب التي تمنع الأهوازيين من التحرك في اطارٍ عملي شامل مع وجود وحدة في الإطار النظري حول معاناة الأهواز و صحة مطالبهم؟
في هذا البحث سنركز على أبرز و أهم المعوقات التي تقف في وجه توحيد صفوف الأهوازيين و هي الشرعية.
تعريف الشرعية
تستند أية حركة تغيير في المجتمع لمفهوم يسمح لها بأن تنشط لسد احتياجاتها و هي الشرعية. و هذا المفهوم الجوهري يحتل مكانةً مهمة في المجتمع بل في الفلسفة الاجتماعية و السياسية أيضاً. و قبل أن نبدأ بتعريف ما قصدنا حول الشرعية في القضية، لا بد لنا من تعريف الشرعية نفسها.
كلمات مثل الشرعية و المشروعية و التشريع تنحدر لغوياً من كلمة الشرع و التي تعني: بيان أو الإظهار فمثلاً لو قلنا شرع الله فمعناه جعل الله طريقاً. لكن كمفهوم اصطلاحي في الإتجاه الإجتماعي و السياسي فإن الموسوعة الدولية الإجتماعية قد عرفت الشرعية بأنها:
((الأسس التي تعتمد عليها الهيئة الحاكمة في ممارستها للسلطة. وتقوم على حق الحكومة في ممارسة السلطة وتقبُّل المحكومين لهذا الحق))
و الشرعية في القضية الأهوازية ينظر إليها على مستويين:
1.شرعية القضية: فالواجهة الشرعية و القانونية للقضية الأهوازية تتمثل ب:
· الحقوق الأساسية أو كما يعبر عنه اليوم بحقوق الإنسان مثل: عدم التمييز العنصري تجاه العرب و عدم اهدار كرامتهم أو اضطهادهم.......
· الحقوق الثقافية: السماح بنشرمؤلفات عربية و إقامة مسرحيات و تلفزيون أهوازي خاص بهم، و إقامة ندوات و مؤتمرات تساهم في اثراء الثقافة في الأهواز و تأسيس مؤسسات مدنية أهوازية إلخ.....
· الحقوق السياسية: السماح بتشكيل احزاب عربية و المساهمة في صنع القرار في الحكومات و أيضاً عدم التعرض لسياسيين الأهواز و عدم القاء القبض عليهم لقضايا سياسية........
· الحقوق الإقتصادية: السماح للأهوازيين بالعمل في مؤسسات الإقتصادية المهمة و القضاء على البطالة التي سببتها السياسية الإيرانية تجاه نسبة كبيرة من الشباب الأهوازي، و تطوير البنية التحتية في سائر المدن المنكوبة الأهوازية و.......
· الحقوق الإجتماعية: مثل حق التسمية الأبناء و البنات الأهوازيات بالأسماء العربية و اعادة تسمية المدن الأهوازية بالأسماء التاريخية العربية، و عدم تغيير التركيبة السكانية و القضاء على التجانس العربي في الأهواز و ......
و هذه نبذة بسيطة ذكرناها لإعطاء صورة واضحة حول الموضوع.
2.شرعية اتخاذ القرارت التي تسمح لجهة أن تقر قراراً فتلزم الحركات الأخرى بقبول التشريعات.
هنا تكمن الإشكالية الرئيسية في عمل المشترك لدى الحركات الأهوازية، فالكل يعلم بأن الأهواز محتل و لكن من هو صاحب الحق الذي يدعو الأهوازيين إلى الإلتزام بقراراته بالذات؟
ما هي الجهة التي تخطط للإستراتيجية السياسية وتقر التحالفات و تتحدث باسم الأهواز؟
فمهما تعددت التحالفات و كبرت الوحدة الوطنية و السياسية بين المنظمات الأهوازية، فليس هناك ما يمنع جهة ما أن لا تأخذ باعتبارية تلك المنظمات و وحدتها مهما كانت هناك إرادة وطنية.
إن هذا المشهد هو واضح لدى الكثير من الحركات الأهوازية، و لعل أبرز مثال على ذلك هو ما صرحه السيد خزعل الهاشمي أمين عام حركة التحرير الوطني الأحوازي في عام 2005 في لقاء داخلي قامت به الحركة على موقعها في الإنترنت حينما قال: لا شرعية لأية حركة أحوازية خارج المجلس الوطني الأحوازي، علماً بأن هذا المجلس و الذي يوجد له صفحة مستقلة في الإنترنت تابعة لشبكة حركة التحرير الوطني الأحوازي تأسس من قبل تجمع حركات أهوازية ( حسب ما ذكره الشيخ خزعل الهاشمي في اللقاء) و قد أكد بأنه الممثل الوحيد للشعب العربي الأهوازي في المنفى!!!!
فهل تجمع و توحد الحركات في صف واحد هو ما يقر بشرعيتها أم الشعب الأهوازي الذي لم ينتخب هذا المجلس ( علماً بأنه يمثل الشعب كما يدعي )؟
ما هو السبب الرئيسي لأزمة الشرعية في القضية الأهوازية؟
كثيرة هي الأسباب التي أدت إلى أزمة الشرعية و نحن هنا نذكر السبب الرئيسي:عدم تبني أية جهة للقضية الأهوازية، مما أفقد القضية الأهوازية العمق الإستراتيجي المطلوب للتحرك من خلاله، و لو لاحظنا تاريخ النضال الأهوازي خصوصاً في حقبة جبهة تحرير عربستان لوجدنا أن الحركة قد كسبت شرعية تمثيل الشعب الأهوازي بعدما وجدت الدعم العربي و العمق الإستراتيجي في العراق، بل حتى وصل الأمر إلى تصميم العلم الأهوازي في عهد الشهداء الثلاث (محي الدين الناصر، عيسى النصاري و دهراب الناصري).
و لكن بعد التغير المفاجئ الذي طرأ في فكر القيادة البعثية في العراق و محاولة ((عرقنة)) القضية الاهوازية، اصبحت جميع الحركات الأهوازية فاقدة للعمق الإستراتيجي مما أدى إلى تراجع الدعم للأهوازيين أنفسهم. ثم جاءت اتفاقية وقف اطلاق النار مع الإيرانيين في عام 1988 لتضع حداً لأي دعم للقضية الأهوازية عربياً و دولياً و هذا الأمر سيستمر للثلاثين عام القادمة.
النتائج
سيبقى هذا الأمر مستمراً لأن الأهوازيين أنفسهم لم يتمكنوا من معالجته، و لا أظن أن هنالك نية لدى الكثير من النشطاء في الخارج لحل هذا الموضوع، مع العلم بأن هنالك جهات غير حزبية أهوازية تحاول أن تعالج هذا الأمر من خلال الدعوة إلى مؤتمر حوار بين الفرقاء الأهوازيين.
و لكن تلك الدعوات لا تستقبل بحرارة بل تصطدم بالنزعة الفردية لدى الكثير من الأحزاب و الجهات. فهذه الحركات و البعض منها حديثةً على الساحة الأهوازية، تحاول أن تبتعد عن أي عملٍ جماعي مع الحركات الأخرى خوفاً من تقديم التنازلات في الأيديولوجية أو بالثوابت التي يؤمنون بها، فضلا عن الخلافات الشخصية بين أعضاء الحركات التي تتحول إلى خلافات سياسية يحاولون أن يجروا الأهوازيين إلى معتركها.
على العموم فإن الخاسر الوحيد في هذا الأمر هو الشعب الأهوازي. لأن وتيرة خطة تفريس الأهواز تصاعدت ما بعد الإنتفاضة نظراً لمحدودية الأثر الشعبي التي ظهرت في الإنتفاضة على وقف المشروع الإيراني في الأهواز و محاولات تفريسه.
فالشعب الأهوازي و بسبب عدم وجود قيادة سياسية في الداخل، يعتمد بنسبة كبيرة على القيادات في الخارج، و الكل يعلم بأن وثيقة أبطحي نشرت من قبل الناشطين الأهوازيين في خارج الوطن.
و لكن مهما تأسست حركات جديدة و ازداد النشاط السياسي في المنفى فإنه من دون مفعول بسبب وجود حالة التشتت بين الحركات الأهوازية، مما يؤدي إلى نشوب حالة اليأس بين شريحة كبيرة من الشعب الأهوازي و لا يجد مفراً من الأمر إلا تقبل الواقع.
و للحديث بقية


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق