الأحد، 5 أبريل 2009

مفهوم الترانسفير الإيراني في القضية الأحوازية


تعريف الترانسفير و أهميته في القضية الأحوازية:
الترانسفير transfer)) مصطلحٌ إنجليزي و تعني لغوياً النقل. و في علم السياسة يستخدم مصطلح النقل أو النقل السكانيpopulation transfer) ) لوصف عملية طرد سكان من مناطقهم الأصلية و توطينهم في أماكن أخرى. و من أشهر عمليات الترانسفير في التاريخ المعاصر هي طرد الفلسطينيين من أراضيهم و توطين اليهود بدلاً عنهم.و هو يختلف عن الهجرة(emigration) الذي يخضع للعوامل الاجتماعية الدافعة(الفقر، البطالة، انتشار الأمراض و حروب الخ...) و الجاذبة(الأمان، الرفاهية و الاستقرار، فرص عمل و.....).
إن هذا المصطلح ذات مفهومٍ جوهري في القضية الأحوازية لأنه يرتبط تاريخياً بوثيقة أبطحي التي أشارت في إحدى موادها الخمس بنقل العرب في الأحواز بنسبة الثلث و توطين عرقيات مختلفة بدلاً عن الأحوازيين. و مع وجود دراسات لانتفاضة نيسان و جذورها البنيوية (و أهمها دراسة محمد شريف النواصري رحمه الله) ألا إنه لم يتم إدراك مغزى الترانسفير التي تريده إيران بالأحواز.خصوصاً إنه لم يتم الذكر عن الأسباب الداعية لهكذا نوع من السياسات مع و جود استقرار -وفقاً للمفهوم الأمني الإيراني- في الأحواز طوال ثلاثون سنة من حكم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. و لهذا سنستخدم مصطلح الترانسفير الإيراني كمفهوم له صبغته الإستراتيجية و تعريف خاصٌ به و هو موجه للأحوازيين.

الترانسفير الإيراني و تحرير العراق ..... مدخل تاريخي:
يمكن أن نقول أن مادة تهجير الأحوازيين التي ذكرت في وثيقة أبطحي مرتبطة جيوستراتيجياً لما ألت إليه الأوضاع بعد سقوط النظام العراقي في عام 2003 بيد القوات الأميركية و البريطانية.
إن هذا الحدث لفت النظر إلى موضوع العرقيات الغير العربية في العراق بعد سقوط النظام الذي كان متمسك بالأيديولوجية القومية العربية و الفكر البعثي. و لعل أبرز الرابحين بسقوط النظام العراقي هم الأكراد في العراق. فلطالما كان الحكم ذاتي حلماً يدغدغ مشاعر الأكراد. هذا الأمر لم يكن مؤثراً في العراق فحسب، بل امتد أثره إلى الدول المجاورة مثل تركيا و إيران(احتفال أكراد إيران بمناسبة تتويج طالباني رئيساً للعراق).
هذين الدولتين تعيشان في نفس الظروف التي تعيشها العراق، فهنالك الأقليات العرقية التي تعيش في الولايات و الأقاليم الحدودية و التي لم تنال حقوقها بعد. و بعد ما حدث في العراق، فإنه لا بد من التفكير للحلول حتى لا تتأثر دولهم بالأوضاع العراقية هناك.

الترانسفير الإيراني.......من البهلوية إلى الجمهورية:
الشئ المثير للجدل هو إن الأحوازيين يشتركون مع الإيرانيين برابطٍ عقائدي و هو التشيع. و قد شاركوا في الثورة الإسلامية و ساندوا إيران في الحرب العراقية الإيرانية. لكننا نرى إيران تفكر بتهجيرهم و تحاول أن تطمس هويتهم و قد نشرت ذات مرة جريدة اطلاعات الإيرانية بعد الحرب الثماني سنين بأنه ليس هنالك عرب في إيران و ما عرب الأحواز إلا غجر(كواولة).
إن السياسات الإيرانية تجاه الأحوازيين لم تتغير بعد ثلاثين سنة من سقوط النظام الشاهنشاهي. منع تأسيس مراكز ثقافية عربية و أحزاب و حركات سياسية تنشط بين الأوساط العربية و السماح لتأسيس مراكز لأقليات غير فارسية(جمعيت بختياريهاى خوزستان)، منع العرب من نشر و طباعة كتب عربية في الأحواز و الاحتفال بذكرى تأليف شاهنامة، جميعها سياسات مارستها الحكومة البهلوية قبل أن تتشكل الحكومة الإيرانية الإسلامية بثمانين سنة. و السبب ليس اشتراك أيديولوجي بين إيران البهلوية و الإسلامية، و لكنها مسألة ترتبط ببقاء الوحدة المركزية للدولة الإيرانية و خريطتها و هيمنة الثقافة الفارسية على الأحوازيين و سائر القوميات. بمعنى أخر، المسألة مرتبطة بالفكر القومي الفارسي و تأثيره على سياسات الدولة الإيرانية. فأي دولة فارسية قادمة ستقوم بنفس الشئ الذي تقوم به إيران حالياً.

لماذا الأحواز...و ليس كردستان أو بلوشستان؟
كما قلنا سابقاً، إيران تشترك مع الأحوازيين بالرابط المذهبي. و هو ما لا تشترك به مع القوميتين الكردية أو البلوشية السنية، فالثورة الإسلامية هي وثيقة ارتباط إيران بالتشيع. لهذا السبب يعتبر الشيعة الغير الفرس أكثر ارتباطاً مع الإيرانيين من الأكراد أو البلوش، مع وجود مشتركاتٍ ثقافية بينهم.
و هنالك سببٌ أخر و هو الواجهة الجيوستراتيجية و الاقتصادية لإقليم الأحواز التي تفتقدها كردستان و بلوشستان(من أفقر المحافظات في إيران) . و أي محاولة لإعطاء الأحوازيين حرية النشاط السياسي و الثقافي فيها يعني خروج موارد الأحواز من سيطرتهم.

الترانسفير الإيراني و هوية الأحوازيين:
ليس الترانسفير الإيراني مجرد محاولة تهجير عرب الأحواز فقط، و لكنه يعني تغريبهم و فسخ مفهوم الأحواز كهوية وطنيةً مستقلة أيضاً. فإيران كانت تعتقد بأنها بنشر الثقافة الفارسية و مزجها مع التشيع ستنال- على الأقل - من استقلالية الأحوازيين كقومية و مجتمع. لكنها اصطدمت بالطبيعة الاجتماعية الأحوازية(الريف) و النظام الاجتماعي العربي التقليدي(العشائر) بسبب انكفاء الأحوازيين داخل هذين الإطارين للمحافظة على هويتهم.
هذا ما جاء في القسم الأخر من وثيقة أبطحي. إذ إنه لن يهجر الأحوازيين من مناطقهم الأصلية فقط، و لكنه يتم نقلهم إلى المحافظات الداخلية مثل أصفهان و فارس ذي الغالبية الفارسية.

الترانسفير الإيراني........ الإستراتيجية:
الهدف الرئيسي لسياسة الترانسفير الإيراني هو مواجهة النزعات الاستقلالية لدى الكثير من الأحوازيين. و هذا لا يمكن إلا بطمس الدلالات على وحدة التراب و الإنسان في الأحواز. فكما هو معروف فإن التركيبة الديمغرافية في الأحواز تشمل العرب ثم الفرس و اللر و البختيار. و لكن الأحوازيين العرب هم أكثر ارتباطاً و تعلقاً بالأحواز. لهذا السبب نجد أن إيران تهتم بالتغيير الديمغرافي بتهجير العائلات اللرية و الفارسية إليها مثل ما فعل صدام حسين في كردستان العراق و في منطقة كركوك خاصةً. و ما تفعله سوريا البعث في مناطقها الشمالية(كردستان سوريا) كتعريب المناطق و مسح الهوية الكردية فيها.

هل سينجح الترانسفير الإيراني بالبلوغ إلى غايته؟
إن هذا المشروع سيستغرق سنواتٍ عديدة لتنفيذه و سيستهلك من إيران الكثير من طاقاتها. فشل المشروع قد بان منذ أول ما نشرت الوثيقة و انتفاضة 15 نيسان كان أكبر دليل على مدى الوعي عند الأحوازيين لهكذا نوع من سياسات و التي تستهدفه دون الأخرين. و الإستراتيجية الوطنية العسكرية لحركات المقاومة الأحوازية المسلحة الحالية( النضال العربي، فتح الأحواز و.......) هي استهداف المراكز و المنشآت الإيرانية لاستنزاف القدرات الإيرانية لتنفيذ هذا المشروع، يؤكد على إحدى الصعوبات التي ستلاحق الإيرانيين إذا أرادوا السير وفق هذا المخطط.

الخلاصة:
إن هذا المشروع مع أهمية بلوغه لدى السياسيين الفرس، ألا إنه يؤكد على مدى وجود زخمٍ عميق بين الحكومة الإيرانية و الإسلام. فالإسلام لا يوافق على هكذا نوع من المشاريع التي تستهدف الوحدة الروحية و المادية و الاجتماعية للأحوازيين فتحولهم إلى مادةٍ تجريبية من أجل غاية واحدة و هي وحدة الفرس المركزية. فهذا العمل غير لائقٍ من قبل دولةٍ تحكم وفق التوجهات الدينية السمحة مثل الإسلام. فماذا سيفعل الإيرانيون لو كانوا الإيرانيون هم الأقلية و الأحوازيون هم الأغلبية؟
حتى لو كانت الرسالة غير صحيحة و وهمية، فإن الاضطهاد الذي يعيشه الأحوازي يجعله يؤمن بعقليةٍ تآمرية تستهدف كيانه الوطني و عروبته. فإذا كانت إيران تريد أن تثبت بأن ما طرح في الوثيقة غير صحيح البتة، فعليها أن تعترف كبداية بالعمق التاريخي و الوجودي بين الأحواز و الأحوازيين، ثم البدء بإعطاء حقوقهم الشرعية. لأنه من دون ذلك، فستعتبر إيران الأحوازيون بأنهم مجرد عرب من غير فلكلور خاصةٍ بهم، بمعنى أخر هم إيرانيون مما سيعطي لإيران الصبغة الشرعية لتنفيذ مخططاتها.

ليست هناك تعليقات: